ابن عربي

154

فصوص الحكم

قال « لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ » فنفى ، ( 8 ) « وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » فأثبت بصفة تعم كل سامع بصير من حيوان وما ثَمَّ إلا حيوان إلا أنه بطن في الدنيا عن إدراك بعض الناس ، وظهر في الآخرة لكل الناس ، فإنها الدار ( 1 ) الحيوان ، وكذلك الدنيا إلا أن حياتها مستورة عن بعض العباد ليظهر الاختصاص والمفاضلة بين عباد الله ( 2 ) بما يدركونه من حقائق العالم . فمن عم إدراكه كان الحق فيه أظهر في الحكم ممن ليس له ذلك العموم . فلا تُحْجَب بالتفاضل وتقول لا يصح كلام من يقول إن الخلق ( 3 ) هوية الحق بعد ما أريتك التفاضل في الأسماء الإلهية التي لا تشك أنت أنها هي الحق ومدلولُهَا المسمى بها وليس إلا الله تعالى . ثم إنه كيف يقدِّم سليمانُ اسمه على اسم الله كما زعموا وهو من جملة من ( 4 ) أوجدته الرحمة : فلا بد أن يتقدم الرحمنُ الرحيم ليصح استناد المرحوم . هذا ( 5 ) عكس الحقائق : تقديم من يستحق التأخير وتأخير من يستحق التقديم في الموضع الذي يستحقه . ومن حكمة بلقيس وعلو علمها كونها لم تذكر من ألقى إليها الكتاب ، وما عملت ( 6 ) ذلك إلا لتعلِّم أصحابها أن لها اتصالًا إلى أمور لا يعلمون طريقها ، وهذا من التدبير الإلهي في الملك ، لأنه إذا جُهِلَ طريق الإخبار الواصل للمَلِك خاف أهل الدولة على أنفسهم في تصرفاتهم ، فلا يتصرفون إلا في أمر إذا وصل إلى سلطانهم عنهم يأمنون غائلة ذلك التصرف . فلو تعين لهم على يدي من تصل الأخبار إلى ملكهم لصانعوه ( 7 ) وأعظموا له الرِّشا حتى يفعلوا ما يريدون ولا يصل ذلك إلى ملكهم . فكان قولها « أُلْقِيَ إِلَيَّ » ولم تسم من ألقاه سياسة ( 8 ) منها أورثت الحذر منها في أهل مملكتها وخواص

--> ( 1 ) ن : الذات ( 2 ) ب : ساقطة ( 3 ) ب : الحق ( 4 ) ا : ما ( 5 ) ن : هكذا ( 6 ) ن : علمت - ب : علت ( 7 ) ن : لضايقوه ( 8 ) ا : بسياسة